حسن بن موسى القادري

93

شرح حكم الشيخ الأكبر

ويقيمون بمؤنة جهازه ودفنه ، وإنما هو من تمام رأفته بالكل بحيث ظن المخالف أنه شيخه ، وهل هذا إلا نتيجة الترك ؟ حتى ترك الترك وهو الزهد الحقيقي . 10 - ليس الزاهد من زهد في الدرهم والدّينار ، إنما الزاهد من زهد فيما سوى الجبار . فبينه بقوله : ( ليس الزاهد من زهد في الدرهم والدينار ، إنما الزاهد من زهد فيما سوى الجبار ) . المراد الكامل ؛ لأن الزهد يختلف باختلاف المقام ، فللعوام زهد بمعنى ترك الحرام ، وللخواص زهد أيضا وهو ترك الفضول من الحلال ، ولأخصهم زهد وهو ترك ما يشغلك عن مولاك ، والكل خير وممدوح على ما ورد به الحديث حيث قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « الزهد خير كله « 1 » » ، والكامل الأخير ؛ لأن حقيقة الزهد أن تترك نفسك دنياك وروحك عقباك ، ويبقى سرّك مع مولاك « 2 » . وقال الشيخ الجيلي قدّس سرّه في الإنسان الكامل : « زهد المسلمين والمؤمنين والمحسنين في الدنيا ولذاتها ، وزهد الشهداء في الأولى والعقبى ، وزهد الصديقين في سائر المخلوقات ، فلا يشهدون إلا الحق تعالى مع الأسماء والصفات ، وزهد المقربين في البقاء معهما فهم في الحقيقة الذات » ، ويمكن أن يكون مراد الشيخ هذا الأخير وهو الظاهر من إطلاقه ، ويمكن أن يكون مراده زهد الصدّيقين ، لكن بتقدير معطوف بعد الجبار أي : وأسمائه وصفاته ، والمعنى ليس الزاهد الكامل الذي يعمل الزهد في الدّنيا والدرهم المستعبدين للناس

--> ( 1 ) ورد بلفظ : وخير دينكم الورع ، من حديث عمرو بن قيس الملائي : رواه ابن أبي شيبة في المصنف ( 5 / 284 ) ، ووكيع في الزهد ( 222 ) ، وهنّاد في الزهد أيضا ( 932 ) ، كلاهما بتحقيقنا ، وابن أبي الدنيا في الورع ( 159 / ق / ب ) ، وابن عبد البر في بيان العلم وفضله ( 1 / 26 ) . ( 2 ) فائدة : قال الشيخ الشعراني : قد منّ اللّه تعالى عليّ بالزهد في الدنيا من حداثة سنّي إلى وقتي هذا ، حتى لو أمطرت السماء ذهبا ، ومكتوب على كلّ دينار من أخذ هذا لا يحاسبه اللّه تعالى عليه في الدنيا ولا في الآخرة ، لكنت لا أجد عندي داعية إلى أخذ شيء منه إلا لدين أوفيّه به ، أو لسدّ فاقة في ذلك الوقت الذي أنا فيه فقط ، ومن شكّ في وصولي إلى هذا المقام فاللّه تعالى يغفر لي وله إن شاء اللّه . وانظر : الدرر واللمع في بيان الصدق في الزهد والورع للمصنف ( ص 32 ) طبع بتحقيقنا .